عباس حسن
16
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
- غالبا - على حسب السماع ، وناصبا للمفعولين « 1 » ؛ لأن معناه : « أظنّ » الدال على الرجحان ؛ نحو : كنت أرى الرحلة متعبة ، فإذا هي سارّة .
--> ( 1 ) إذا كان المضارع « أرى » بمعنى : « أظن » ، ويعمل عمله - فكيف ينصب مفعولين مع رفعه نائب فاعل ، هو في الأصل مفعول أيضا ؟ أليس معنى هذا أنه ينصب من المفاعيل ثلاثة ، مع أن الفعل : « أظن » ينصب اثنين فقط ؟ يجيب النحاة بإجابتين ؛ كل واحدة منهما وافية في تقديرهم . وفي الأولى من التعارض والتكلف ما سنعرفه . الأولى : أن هذا المضارع : « أرى » المبنى للمجهول - غالبا ، طبقا للسماع - قد يكون ماضيه هو « أرى » مفتوح الهمزة ، الناصب لثلاثة من المفاعيل ، والذي معناه : « أعلم » الدال على اليقين - وسيجئ الكلام عليه في الباب التالي ص 55 - ؛ مثل : أرى العالم الناس السفر للكواكب سهلا ؛ أي : أعلمهم السفر سهلا . . . ومقتضى هذا أن يكون مضارعه ناصبا ثلاثة أيضا ، وليس ناصبا اثنين فقط . لكن السبب في نصبه اثنين أنه ترك معنى ماضيه ، وانتقل إلى معنى آخر جديد ؛ إذ صار بمعنى : الفعل المضارع : « أظنّ » لا بمعنى الفعل المضارع : أعلم ويعلم وغيرهما مما فعله الماضي : « أعلم » الدال على اليقين . فلما ترك معناه الأصلي إلى معنى فعل آخر ، كان من الضروري أن يترك عمله الأصلي ليعمل العمل المناسب للمعنى الجديد ؛ فينصب مفعولين لا ثلاثة . وعلى هذا يتعين أن يكون ضمير المتكلم في المضارع المبنى للمجهول فاعلا . ، ولا يصح أن يكون نائب فاعل ؛ لأن اعتباره نائب فاعل يؤدى إلى اعتباره مفعولا به في الأصل قبل أن ينوب عن الفاعل ؛ فينتهى الأمر إلى أن ذلك المضارع قد نصب من المفاعيل ثلاثة . وهذا مرفوض عندهم حتما . فالسبب في تعدية المضارع المبنى للمجهول - سماعا - إلى مفعولين مع أن ماضيه : « أرى » الدال على العلم واليقين ، ينصب ثلاثة - هو استعماله بمعنى الفعل : « أظن » المتعدى لاثنين ، من باب الاستعمال في اللازم ؛ لأن معنى : « أرى العالم الناس السفر سهلا » هو : « جعل العالم الناس ظانين السفر سهلا » وصحة هذا المعنى تستلزم صحة قولنا : ظن الناس السفر للكواكب سهلا . أما إن كان الفعل « أرى » مفتوح الهمزة ( أي : غير مبنى للمجهول ، وهذا جائز ) ومعناه : « أظن » فينصب مفعولين بغير حاجة لتأويل ، واضح التكلف والالتواء ، كالذي سبق . الثانية : أن الفعل : « أرى » المضارع المبنى للمجهول سماعا ، ينصب ثلاثة من المفاعيل برغم أنه بمعنى : الظن ، وأن ماضيه بمعنى : « أظننت » وأول المفاعيل الثلاثة هو الذي صار نائب فاعل ، ويليه المفعولان المنصوبان . ويقولون : إن الفعل « أرى » المبنى للمجهول هو المضارع للفعل الماضي : « أريت » المبنى للمجهول أيضا ، بمعنى : « أظننت » كما سبق ، وإن العرب لم تنطق بالماضي « أريت » إلا مبنيا للمجهول ، ولم يعرف عنهم بناؤه للفاعل . كما لم يعرف عنهم أنهم قالوا : « أظننت » ببناء الماضي « أظننت » للمجهول مع أنه بمعنى الماضي « أريت » . وفي هذه الإجابة بعض اليسر ومسايرة القواعد العامة ، وإن كانت - كالأولى - لا تخلو من تكلف ، والتواء . وخير منها أن نقول : ( إذا كان -